الأربعاء، 14 سبتمبر 2022

دولة فرخشنيط.. القصة التي غابت عن كتب التاريخ


أطلال الحصون فوق الهضاب المشرفة على خليج سان تروبيه (تصوير توضيحي)

✍🏻 بقلم:

المستشار السياحي / محمد بن خليفة البوعينين 


مقدمة

هذه من أغرب القصص التي وردت في كتب التاريخ عن الفتوحات الإسلامية في أوروبا. في القرن الثامن الميلادي، تحطّمت سفينة على سواحل فرنسا تقلّ عشرين صيادًا عربيًا أندلسيًا، ليؤسسوا هناك أغرب دولة إسلامية في قلب أوروبا المسيحية، عُرفت باسم دولة فرخشنيط (Fraxineto)، واستمرت قرابة القرن، وخلّفت أثرًا في الزراعة واللغة والعمران لا يزال بعضه ماثلًا إلى اليوم.

البداية.. ما بعد بلاط الشهداء

حين نتحدث عن الفتوحات الإسلامية في أوروبا، نجد أن أغلب المصادر تتوقف عند معركة «بلاط الشهداء» عام 732م، حين انتصر شارل مارتل على عبد الرحمن الغافقي، لتتوقف بعدها الفتوحات الإسلامية في فرنسا. لكن التاريخ كان يخفي سطرًا آخر مختلفًا تمامًا…

قبل نهاية القرن التاسع الميلادي، وبالتحديد عام 887م (وفي بعض المصادر 889م)، خرج عشرون بحارًا من الأندلس في رحلة بحرية صغيرة، لتهبّ عليهم عاصفة وتقذفهم إلى خليج غريمو المعروف اليوم باسم خليج سان تروبيه في إقليم بروفانس جنوب فرنسا. وهناك أسسوا حصنهم فوق جبل مكسو بالأشجار يُعرف باللاتينية باسم Fraxinus، فسمّوه فرخشنيط أو فركسيناتوم.

حصن في الجبال يتحوّل إلى إمارة

الإصطخري – المسالك والممالك: «وأمّا جبل القلال فإنّه كان جبلًا فيه مياه خرّارة، فوقع إليه قوم من المسلمين فعمروه وصاروا في وجوه الإفرنجة لا يقدر عليهم لامتناع مواضعهم».

مع مرور السنوات، تحوّل ذلك الحصن إلى قاعدة متكاملة. أرسل المسلمون إلى الأندلس وشمال أفريقيا وصقلية طلبًا للعون، فبدأت الهجرات تتوالى، ومع حلول عام 906م سيطر المسلمون على معظم إقليم بروفانس، بل أصبح بعض أمراء الإقليم يستعينون بهم في صراعاتهم الداخلية، قبل أن يخضعوا لهم تمامًا.



التوسع نحو جبال الألب

لم يكتفِ المسلمون بالسواحل، بل عبروا جبال الألب حتى شمال إيطاليا وجنوب سويسرا، وأقاموا فيها نظامًا يشبه «رسوم المرور على الممرات الجبلية». ورغم اعتراض الأوروبيين، فإن بعض الممالك كانت تعقد معهم اتفاقات مؤقتة للاستفادة من قوتهم أو لتأمين حدودها. حتى إن هيو ملك إيطاليا عقد معهم هدنة عام 941م، تركهم بموجبها يسيطرون على الممرات مقابل حماية أراضيه من الغزاة.

استقرار وتبادل حضاري

تنقل مصادر أوروبية – كما يورد شكيب أرسلان في تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزر البحر المتوسط – أن المسلمين لم يكونوا مجرد غزاة، بل استقروا وزرعوا وأدخلوا محاصيل جديدة؛ مثل الحنطة السوداء (التي لا تزال تُعرف في بروفانس بـ«قمح السارازينيين»)، وجلبوا أنواعًا من الماعز الأفريقي، وصدّروا الأخشاب إلى الأندلس. كما تزوج بعضهم من أهل البلاد، واستقروا في القرى، حتى حملت بعض القرى أسماءً ذات أصول عربية.

بداية النهاية

استمر نفوذ فرخشنيط قرابة قرن، حتى عام 972م حين اختطف المسلمون راهبًا يُدعى مايولوس وطلبوا فيه فدية كبيرة؛ فوحّد ذلك الممالك ضدهم. قاد ويليام حاكم بروفانس هجومًا واسعًا على الحصن، وانتهت المعركة في طورطور عام 973م بانهيار دولة فرخشنيط بعد خيانة أحد المتعاونين مع المسلمين. وتفرّق من بقي منهم بين القتل والنفي والاستعباد.

فرخشنيط.. إمارة أم أسطورة منسية؟

قلّما تذكر المصادر الإسلامية هذه الإمارة، بينما وصفتها مصادر أوروبية بأنها مجرد وكرٍ للقراصنة. لكن باحثين معاصرين – مثل محمد بلان (جامعة ستوني بروك – نيويورك) – يرون أن فرخشنيط كانت «دولة حدودية» متكاملة، امتلكت عناصر الاستقرار والإدارة وشهدت تفاعلًا اقتصاديًا وثقافيًا مع محيطها الأوروبي.

خاتمة

من عشرين بحّارًا ضلّوا طريقهم في البحر، نشأت إمارة إسلامية في قلب أوروبا، ودامت نحو مئة عام. قصة «فرخشنيط» تذكّرنا بأن التاريخ يحمل فصولًا لم تُكتب كما يجب، وأن أثر المسلمين في أوروبا أعمق مما دوّنته كتب المنتصرين.


مراجع مختصرة

  • ساسة بوست – مادة أصلية عن فرخشنيط (منقول بتصرف).
  • شكيب أرسلان: تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزر البحر المتوسط.
  • الإصطخري: المسالك والممالك.
  • دراسة محمد بلان: «فرخشنيط: الدولة الحدودية في إقليم بروفانس في القرن العاشر» (Stony Brook University).

ليست هناك تعليقات: