السبت، 17 يناير 2026

​السياحة القريبة… متعةٌ نغفل عنها

 


اعتاد كثيرٌ من الناس أن يربطوا كلمة “السياحة” بالسفر إلى الخارج، وكأن المتعة لا تُنال إلا بقطع آلاف الكيلومترات، أو بركوب الطائرات والانتقال بين دولٍ وثقافات بعيدة. يخطط البعض لرحلاته الصيفية إلى أوروبا هرباً من الحر، بينما ينتظر آخرون الشتاء ليبحثوا عن وجهات باردة أو منتجعات ثلجية خارج الوطن.

وهكذا أصبحت السياحة الخارجية عادة موسمية راسخة لدى الكثيرين، صيفاً وشتاءً، حتى ظن بعضهم أن المتعة لا تكتمل إلا خارج الحدود.


لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بصدق: هل جرّبنا حقاً أن نسافر داخل مدننا وقرانا؟ هل اكتشفنا جمال ما حولنا قبل أن نفتش عن الجمال في أقاصي الأرض؟


الحقيقة أن الكثيرين يعيشون أعمارهم كلها في مدنهم دون أن يعرفوا إلا القليل عنها. لم يزوروا المعالم القريبة، ولم يتجولوا في الأحياء القديمة، ولم يجربوا الطرق الريفية أو الشواطئ القريبة أو المتاحف المحلية. تمر السنوات، ويظل المكان الذي وُلدنا فيه غريباً علينا أكثر مما نتخيل.


في المملكة العربية السعودية – على سبيل المثال – نملك كنزاً سياحياً هائلاً ومتنوعاً. لدينا بحرٌ في الشرق والغرب، وصحراء ممتدة في الوسط والشمال، وجبال خضراء في الجنوب، وواحات ومزارع وقرى تاريخية في كل منطقة، بل وحتى ثلوج شتوية في بعض المرتفعات. هذا التنوع الجغرافي والمناخي يمنحنا فرصة ذهبية لأن نجعل من وطننا خريطة سياحية مفتوحة طوال العام.


فلماذا لا تكون خطتنا القادمة “جولة سياحية داخلية”؟

لماذا لا نخصص كل موسم لاكتشاف منطقة جديدة؟

صيفٌ في عسير والباحة والطائف، وشتاءٌ في العلا وتبوك وحائل، وربيعٌ في القصيم والأحساء، ورحلات بحرية على سواحل الشرقية وجدة وينبع، وجولات تراثية في الدرعية ونجران وجازان والمدينة المنورة.

بهذه الطريقة نصنع لأنفسنا تقويماً سياحياً داخلياً يناسب كل الأذواق وكل الفصول، تماماً كما يفعل محبو الرحلات الشتوية أو الصيفية إلى الخارج.


السياحة الداخلية ليست مجرد نزهة عابرة، بل هي تجربة متكاملة. هي دعم مباشر للاقتصاد المحلي، وتشجيع للمشاريع الصغيرة، والفنادق المحلية، والمطاعم الشعبية، والحرفيين، والمرشدين السياحيين. كل ريال يُصرف في مدينتك أو قريتك يعود نفعه على أبناء مجتمعك.


وهي قبل ذلك ثقافة ومعرفة عميقة بالحياة والناس.

عندما تزور مناطق مختلفة داخل وطنك تتعرف على لهجات جديدة، وعادات مختلفة، وأكلات شعبية مميزة، وقصص تاريخية لم تكن تعرفها. تكتشف أن كل مدينة لها روحها الخاصة، وأن كل قرية تحمل ذاكرة جميلة تستحق أن تُروى.


وهنا أنصح بتغيير بعض العادات التي اعتاد عليها كثير من السياح. فعند زيارتك لمنطقة جديدة لا تكتفِ بالفنادق العالمية والمطاعم المعروفة فقط، بل حاول أن تتداخل مع أهل المكان: اسكن في أماكن الإقامة المحلية، واستخدم سيارات الأجرة المحلية، وتناول وجباتك في المطاعم الشعبية والمقاهي البسيطة، وتجوّل في الأسواق القديمة.

بهذا الأسلوب ستتعرف فعلاً على أهل المنطقة وثقافتهم، وربما تكوّن معارف وصداقات جميلة تدوم طويلاً. فالسياحة الحقيقية ليست صوراً تلتقطها فقط، بل علاقات وتجارب تعيشها.


تخيّل كم هو جميل أن تستضيف ضيفاً من خارج مدينتك، فتكون قادراً على الحديث بثقة عن أماكن زرتها بنفسك، وتجارب عشتها فعلاً، لا مجرد معلومات سمعتها من الآخرين. في المجالس واللقاءات، تكون لديك حصيلة حقيقية من المشاهدات والذكريات، فتتحول من مستمعٍ إلى راوٍ ومشارك.


إن متعة السفر لا تقاس بالمسافات، بل بالدهشة والاكتشاف. وأحياناً يكون الاكتشاف الأجمل على بعد ساعة بالسيارة، لا على بعد عشر ساعات بالطائرة.


السياحة القريبة تمنحنا أيضاً شعوراً عميقاً بالانتماء. حين تتجول في وطنك، تشعر أنك تكتشف نفسك من جديد. ترى بلادك بعيون مختلفة، وتقدّر ما فيها من جمالٍ وخيرٍ وتنوع. وتدرك أن العالم الواسع يبدأ من عتبة بيتك.


أنا شخصياً أرى أن الانشغال الدائم بالسفر الخارجي، وإهمال السياحة الداخلية، هو خسارة حقيقية. خسارة لفرص جميلة، ولتجارب قريبة، ولذكريات كان يمكن أن نصنعها مع عائلاتنا وأصدقائنا دون تكاليف باهظة أو عناء سفر طويل.


لنجعل خطتنا القادمة بسيطة:

ابدأ بمدينتك… ثم المدن القريبة… ثم القرى والأرياف…

ازرع في عائلتك حب الاكتشاف، وخذ أبناءك إلى الأماكن التي لم تزرها من قبل، ودوّن رحلاتك، والتقط الصور، وشارك قصصك.


ستكتشف في النهاية أن أجمل الرحلات ليست تلك التي نقطع فيها الحدود، بل تلك التي نعيد فيها اكتشاف الوطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقك واهتمامك