الجمعة، 26 سبتمبر 2025

الجبيل.. رحلة التاريخ من عصر النيوليت إلى الدولة السعودية الحديثة



تُعد محافظة الجبيل ومحيطها واحدة من أغنى مناطق المملكة بالمواقع الأثريةالمتنوعة التي تعكس تسلسلًا حضاريًا يمتد لآلاف السنينمن عصر النيوليت “العصرالحجري الحديث”، مرورًا بالحضارات الهيلينستية والإسلامية المبكرة، وصولًا إلى حقبةالدولة السعودية الحديثة، تبرز الجبيل كمرآة حيّة لتاريخ شرق الجزيرة العربية.



أقدم الاستيطانموقع الدوسَرِيّة


يُعد موقع الدوسرية جنوب الجبيل شاهدًا على أقدم استيطان بشري في المنطقةالشرقية، حيث ترجع آثاره إلى العصر النيوليتي (8000–3200 ق.م)وقد عُثر فيه علىأوانٍ فخارية من حضارة العُبيد وأدوات حجرية وعظمية تؤكد أن الساحل الشرقي كانجزءًا من حركة حضارية واسعة امتدت من جنوب بلاد الرافدين حتى سواحل الخليج.




الخُرسانية وكأس العُبيد


أما الخرسانية، فهي موقع أثري مهم اكتُشف فيه كأس فخارية تُنسب إلى حضارة العُبيدالثالثة (5300–4700 ق.م)، ويُعرض اليوم في المتحف الوطني بالرياضهذا الاكتشافالفريد يؤكد أن المنطقة لم تكن معبرًا فقط بل مركزًا للحياة المستقرة منذ آلافالسنين.




ثاج… المدينة الضائعة


على بُعد نحو 90 كيلومترًا من الجبيل، تقع ثاج، المدينة التاريخية العظيمة التي يرجحأنها “جيرها” أو “الجرهاء” المذكورة عند المؤرخ سترابوترجع أصولها إلى القرن الرابعقبل الميلاد، وكانت مركزًا سياسيًا وتجاريًا بارزًا، واحتضنت أسوارًا ضخمة ومدافنمذهلة من أبرزها مدفن الفتاة الذهبية.




الدَّفِي… ميناء الإغريق على الخليج


في قلب الجبيل نفسها، يكشف موقع الدفي عن آثار تعود إلى القرن الثالث – الثاني قبلالميلادأظهرت التنقيبات وجود مبانٍ حجرية وفخاريات وأدوات خشبية وزجاجية، مايعكس أن الجبيل كانت ميناءً تجاريًا مهمًا على الساحل الشرقي خلال الحقبةالهيلينستيةكما كان يرتبط بمدينة ثاج وحضارة الجرهاء، حيث يُذكر كميناء حربيللإقليم.




دار العبادة النسطورية “كنيسة الجبيل”


من أبرز الاكتشافات في شرق الجزيرة موقع كنيسة الجبيل التي ترجع إلى القرن الرابعالميلاديتضم جدرانها نقوشًا لصُلبان واضحة، وتُعد من أقدم الشواهد على وجودالمسيحية المبكرة في المنطقة قبل الإسلام.




عينين… الاسم القديم للجبيل


الجبيل نفسها عُرفت قديمًا باسم عينين، وهو الاسم الذي ارتبط بعيني ماء اشتهرت بهاالمنطقةوتشير الآثار إلى أن الموقع ظل مأهولًا منذ ما قبل الإسلام وحتى العصرالعباسي الأول، حيث كُشف عن فخاريات ومعثورات معمارية تؤكد هذا الامتداد الزمني.




موقع مردومة الأثري


إلى الشمال الغربي من الجبيل وعلى الساحل مباشرة، يبرز موقع مردومة كأحد أهمالاكتشافات بعد موقع الدفيتعود استيطاناته إلى القرن الأول الهجري (العصر الأموي)واستمرت حتى القرن الخامس الهجري (العصر العباسي).

أظهر الموقع طبيعة حضرية بحرية متكاملة؛ حيث مارس سكانه صيد الأسماك وصناعةالشباك والأدوات البحرية، كما عُثر فيه على عدد كبير من المسامير المعدنية التي تؤكدازدهار صناعة وصيانة السفن في تلك الحقبةكما كشفت التنقيبات عن بقايا عظامأسماك وحبار بكميات كبيرة، ما يعكس نمط حياة يعتمد على البحر بشكل رئيسي.

وتكمن أهمية مردومة في كونه شاهدًا على ازدهار النشاط البحري والتجاري الإسلاميالمبكر على ساحل الخليج العربي، وهو ما جعل الباحثين يعدونه ثاني أهم موقع أثريفي الجبيل بعد موقع الدفي.




جزيرة جُنّة


إلى الشمال من الجبيل، تقع جزيرة جُنّة، التي تضم بقايا مساجد ومقابر وقصرًا تراثيًاوتشير الشواهد إلى أن الجزيرة كانت مأهولة منذ ما قبل الإسلام، واستمر الاستيطانفيها حتى القرون الثلاثة الأخيرةوتُعرف بجمال طبيعتها ووفرة مياهها العذبة التيميّزتها بين جزر المنطقة.




جزيرة المُسلّمية


أما جزيرة المسلمية، فهي أيضًا شمال الجبيل، وتدل شواهدها المعمارية على أنهاكانت مأهولة منذ الحقبة الإسلامية المبكرة، ما يمنحها قيمة تاريخية واجتماعيةواضحة إلى جانب موقعها البحري المميز.




برج الطويّة


وأخيرًا، يصل بنا التاريخ إلى العصر الحديث مع برج الطويّة الذي شُيّد عام 1928م بأمرالملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - لحماية بئر الطويّة غرب الجبيلوهو رمز معمارييعكس مرحلة بناء الدولة السعودية الحديثة وتوحيد البلاد.




وعليه، فإنه من كأس العُبيد في الخرسانية إلى موقع مردومة مرورًا بموانئ الإغريقومراكز العبادة المسيحية، وصولًا إلى برج الطويّة، يقدّم لنا تاريخ الجبيل لوحة متكاملةتمتد آلاف السنين، تُظهرها كمدينةٍ لم تغب عن مسرح الأحداث عبر العصور.

فهي مدينة جمعت بين حضارات ما قبل التاريخ، ومراكز التجارة الهيلينستية، ومواقعالعبادة المسيحية، ومرافئ الإسلام المبكر، حتى غدت اليوم مدينة سعودية حديثةتُفاخر بتاريخها العريق وحاضرها المزدهر.

إنها الجبيل، المدينة التي تحمل في طياتها إرثًا حضاريًا متنوعًا، وفي حاضرها شعارالصناعة السعودية التي تُعرّف العالم بقدرات المملكة، لتبقى شاهدًا على أن الماضيوالحاضر يمكن أن يلتقيا في مكان واحد ليصنعا مستقبلًا واعدًا.



————————-


المصادر:


 موسوعة المملكة العربية السعودية – دارة الملك عبدالعزيز.


 وكالة الأنباء السعودية (واس) – تقارير المواقع الأثرية بالجبيل.


 ويكيبيديا (ثاج، كنيسة الجبيل، موقع الدفي، الخرسانية، مردومة).


 جريدة المدينة – (موقع عينين).


 صحيفة عكاظ – (تغطية موقع مردومة والدفي).


 Visit Saudi – (برج الطويّة).


  • كتاب (آثار المنطقة الشرقية)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقك واهتمامك